سيد قطب

2414

في ظلال القرآن

ويستبد به الضيق ، ويثقل على صدره الكرب ، فيزيد هذا كله من وقع الكرب والبلاء . فمن كان يظن أن لن ينصره اللّه في الدنيا والآخرة فليمدد بحبل إلى السماء يتعلق به أو يختنق . ثم ليقطع الحبل فيسقط أو ليقطع النفس فيختنق . . ثم لينظر هل ينقذه تدبيره ذاك مما يغيظه ! ألا إنه لا سبيل إلى احتمال البلاء إلا بالرجاء في نصر اللّه . ولا سبيل إلى الفرج إلا بالتوجه إلى اللّه . ولا سبيل إلى الاستعلاء على الضر ، والكفاح للخلاص إلا بالاستعانة باللّه . وكل حركة يائسة لا ثمرة لها ولا نتيجة إلا زيادة الكرب ، ومضاعفة الشعور به ، والعجز عن دفعه بغير عون اللّه . . فليستبق المكروب تلك النافذة المضيئة التي تنسم عليه من روح اللّه . . . بمثل هذا البيان لحالات الهدى والضلال ، ولنماذج الهدى والضلال ، أنزل اللّه هذا القرآن ليهتدي به من يفتح له قلبه ، فيقسم اللّه له الهداية : « وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ ، وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ » . . وإرادة اللّه قد قررت سبق الهدى والضلال . فمن طلب الهدى تحققت إرادة اللّه بهدايته ، وفق سنته ، وكذلك من طلب الضلال . إنما يفرد هنا حالة الهدى بالذكر ، بمناسبة ما في الآيات من بيان يقتضي الهدى في القلب المستقيم . فأما الفرق المختلفة في الاعتقاد فأمرها إلى اللّه يوم القيامة ، وهو العليم بكل ما في عقائدها من حق أو باطل ، ومن هدى أو ضلال : « إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ، وَالَّذِينَ هادُوا ، وَالصَّابِئِينَ ، وَالنَّصارى ، وَالْمَجُوسَ ، وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا . . إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ، إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ » . . وقد سبق تعريف هذه الفرق . وهي تذكر هنا بمناسبة أن اللّه يهدي من يريد ، وهو أعلم بالمهتدين والضالين ، وعليه حساب الجميع ، والأمر إليه في النهاية ، وهو على كل شيء شهيد . وإذا كان الناس بتفكيرهم ونزعاتهم وميولهم ، فإن الكون كله - فيما عداهم - يتجه بفطرته إلى خالقه ، يخضع لناموسه ، ويسجد لوجهه : « أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ، وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ ، وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ ، وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ، وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ . وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ . إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ » . . ويتدبر القلب هذا النص ، فإذا حشد من الخلائق مما يدرك الإنسان ومما لا يدرك . وإذا حشد من الأفلاك والأجرام . مما يعلم الإنسان ومما لا يعلم . وإذا حشد من الجبال والشجر والدواب في هذه الأرض التي يعيش عليها الإنسان . . إذا بتلك الحشود كلها في موكب خاشع تسجد كلها للّه ، وتتجه إليه وحده دون سواه . تتجه إليه وحده في وحدة واتساق . إلا ذلك الإنسان فهو وحده الذي يتفرق : « وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ » فيبدو هذا الإنسان عجيبا في ذلك الموكب المتناسق . وهنا يقرر أن من يحق عليه العذاب فقد حق عليه الهوان : « وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ » . . فلا كرامة إلا بإكرام اللّه ، ولا عزة إلا بعزة اللّه . وقد ذل وهان من دان لغير الديان .